ابن خلدون
313
تاريخ ابن خلدون
غرناطة وولاه خطابته لما اشتهر به من إجادة الخطبة للملوك بزعمهم وألف السلطان أبا سالم في مثوى اغترابهما من غرناطة وشاركه عند أبي الحجاج فرعى السلطان وسائله وبوآته القديمة والحادثة إلى مقامه عند أبيه فلما استوسق له ملك المغرب استخصه بولايته وألقى عليه محبته وعنايته وكان مؤامره ونجي خلوته والغالب على هواه فانصرفت إليه الوجوه وخضعت ووطئ عقبه الاشراف والوزراء وعطف على بابه القواد والأمراء وصار زمام الدولة بيده وكان يتجافى عن ذلك أكثر أوقاته حذرا من سوء المغبة ويزجر من يتعرض له في الشكاية ويوهم إلى أصحاب المراتب والخطط بباب السلطان وهم يعلمون انه قد ضرب على أيديهم فنقموا ذلك وسخطوا الدولة من أجله ومرضت القلوب أهل الحل والعقد من تقدمه ونفس عليه الوزراء ما ثبت له عند السلطان من الحظ فتربصوا بالدولة وشمل هذا الداء الخاصة والعامة وكان عمر بن عبد الله بن علي لما هلك أبوه الوزير عبد الله بن علي في جمادى سنة ستين عند استيلاء السلطان على ملكه تحلبت شفاه أهل الدولة على تراثه وكان مثريا فاستجار منهم بابن مرزوق وساهمه في تراث أبيه بعد أن حملوا السلطان على النيل منه والإهانة له فأجاره منهم ورفع عند السلطان رتبته وحمله على الاصهار إليه في أخته وقلده السلطان أمانة البلد الجديد دار ملكه متى عنت له الرحلة عنها وأصهر عمر إلى وزير الدولة مسعود بن ماسى تسكينا لروعته واستخلاصا لمودته وسفر عن السلطان إلى صاحب تلمسان في شعبان من سنة اثنين وستين ونمى عنه داخل صاحب تلمسان في بعض المكر فهم بنكبته وقتله ودافع عنه ابن مرزوق وخلص من عقابه وطوى على البث وتصرف في الدولة وتربص بالدولة وأعيد إلى مكانه من الأمانة على دار الملك أول ذي العقدة مرجعه من تلمسان لما كان السلطان قد تحول عنها إلى القصبة بفاس واختط إيوانا فخما لجلوسه بها لضيق قصوره بها فلما استولى عمر على دار الملك حدثته نفسه بالتوثب وسول له ذلك ما اطلع عليه من مرض القلوب والنكير على الدولة لمكان ابن مرزوق فداخل قائد الجند غريسة بن انطول واتعدوا لذلك ليلة الثلاثاء السابع عشر من ذي القعدة سن اثنين وستين وخلصوا إلى تاشفين الموسوس ابن السلطان أبى الحسن بمكانه من البلد الجديد فخلعوا عليه وألبسوه شارة الملك وقربوا له مركبه وأخرجوه إلى أريكة السلطان فأقعدوه عليها وأكرهوا شيخ الحامية والناشبة محمد بن الزرقاء على البيعة له وجاهروا بالخلعان وقرعوا الطبول ودخلوا إلى مودع المال ففرضوا العطاء من غير تقدير ولا حسبان وماج أهل البلد الجديد من الجند بعضهم في بعض واختطفوا ما وصلوا إليه من العطاء وانتهبوا ما كان بالمخازن الخارجة من السلع والعدة وأضرموا النار في بيوتها سترا